“Allah said: Lo! I send it down for you. And whoso disbelieveth of you afterward, him surely will I punish with a punishment wherewith I have not punished any of (My) creatures.”
“Allah said, "Indeed, I will sent it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."”
“Allah said: 'I shall indeed send it down to you; then, I shall afflict whoever among you who disbelieves with a chastisement wherewith I will afflict none in the worlds.'”
Word-by-word
QUL · English
Loading word-by-word…
Grammar
POS · lemma · root concordance
Loading morphology…
Tafsīr
7 commentaries
قال الله تعالى: إني منزل مائدة الطعام عليكم، فمن يجحد منكم وحدانيتي ونبوة عيسى عليه السلام بعد نزول المائدة فإني أعذبه عذابًا شديدًا، لا أعذبه أحدًا من العالمين. وقد نزلت المائدة كما وعد الله.
5:112
«قال الله» مستجيب له «إني منزِّلها» بالتخفيف والتشديد «عليكم فمن يكفر بعد» أي بعد نزولها «منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين» فنزلت الملائكة بها من السماء عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات فأكلوا منها حتى شبعوا قاله ابن عباس وفي حديث أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما فأمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا لغد فخافوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير.
قوله تعالى : قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمينقوله تعالى قال الله إني منزلها عليكم هذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين ، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق ، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة وخنازير . قال ابن عمر : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون ; قال الله تعالى : فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا ؟ فالذي عليه الجمهور - وهو الحق - نزولها لقوله تعالى : إني منزلها عليكم ، وقال مجاهد : ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله تعالى لخلقه فنهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه . وقيل : وعدهم بالإجابة فلما قال لهم : فمن يكفر بعد منكم - الآية - استعفوا منها ، واستغفروا الله وقالوا : لا نريد هذا ; قاله الحسن ، وهذا القول والذي قبله خطأ ، والصواب أنها نزلت . قال ابن عباس : إن عيسى ابن مريم قال لبني إسرائيل : ( صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكم ) فصاموا ثلاثين يوما وقالوا : يا عيسى لو عملنا لأحد فقضينا عملنا لأطعمنا ، وإنا صمنا وجعنا فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء ، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها ، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات ، فوضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم ، وذكر أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في " نوادر [ ص: 285 ] الأصول " له : حدثنا عمر بن أبي عمر قال حدثنا عمار بن هارون الثقفي عن زكرياء بن حكيم الحنظلي عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : لما سألت الحواريون عيسى ابن مريم - صلوات الله وسلامه عليه - المائدة قام فوضع ثياب الصوف ، ولبس ثياب المسوح - وهو سربال من مسوح أسود ولحاف أسود - فقام فألزق القدم بالقدم وألصق العقب بالعقب ، والإبهام بالإبهام ، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى ، ثم طأطأ رأسه ، خاشعا لله ; ثم أرسل عينيه يبكي حتى جرى الدمع على لحيته ، وجعل يقطر على صدره ثم قال : اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم الآية فنزلت سفرة حمراء مدورة بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها ، والناس ينظرون إليها ; فقال عيسى : ( اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة إلهي أسألك من العجائب فتعطي ) فهبطت بين يدي عيسى عليه السلام وعليها منديل مغطى ، فخر عيسى ساجدا والحواريون معه ، وهم يجدون لها رائحة طيبة لم يكونوا يجدون مثلها قبل ذلك ، فقال عيسى : ( أيكم أعبد لله وأجرأ على الله وأوثق بالله فليكشف عن هذه السفرة حتى نأكل منها ونذكر اسم الله عليها ونحمد الله عليها ) فقال الحواريون : يا روح الله أنت أحق بذلك فقام عيسى - صلوات الله عليه - فتوضأ وضوءا حسنا وصلى صلاة جديدة ، ودعا دعاء كثيرا ، ثم جلس إلى السفرة ، فكشف عنها ; فإذا عليها سمكة مشوية ليس فيها شوك تسيل سيلان الدسم ، وقد نضد حولها من كل البقول ما عدا الكراث ; وعند رأسها ملح وخل ، وعند ذنبها خمسة أرغفة على واحد منها خمسة رمانات ، وعلى الآخر تمرات ، وعلى الآخر زيتون . قال الثعلبي : على واحد منها زيتون ، وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث بيض ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد . فبلغ ذلك اليهود فجاءوا غما وكمدا ينظرون إليه فرأوا عجبا ; فقال شمعون - وهو رأس الحواريين - : يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الجنة ؟ فقال عيسى صلوات الله عليه : ( أما افترقتم بعد عن هذه المسائل ما أخوفني أن تعذبوا ) . فقال شمعون : وإله بني إسرائيل ما أردت بذلك سوءا . فقالوا : يا روح الله لو كان مع هذه الآية آية أخرى ; قال عيسى عليه السلام : " يا سمكة احيي بإذن الله " فاضطربت السمكة طرية تبص عيناها ، ففزع الحواريون فقال عيسى : ( ما لي أراكم تسألون عن الشيء فإذا أعطيتموه كرهتموه ما أخوفني أن تعذبوا ) وقال : ( لقد نزلت من السماء وما عليها طعام من الدنيا ولا من طعام الجنة ولكنه شيء ابتدعه الله بالقدرة البالغة فقال لها : [ ص: 286 ] كوني فكانت ) ; فقال عيسى : ( يا سمكة عودي كما كنت ) فعادت مشوية كما كانت ; فقال الحواريون : يا روح الله كن أول من يأكل منها ، فقال عيسى : ( معاذ الله إنما يأكل منها من طلبها وسألها ) فأبى الحواريون أن يأكلوا منها خشية أن تكون مثلة وفتنة ; فلما رأى عيسى ذلك دعا عليها الفقراء والمساكين والمرضى والزمنى والمجذمين والمقعدين والعميان وأهل الماء الأصفر ، وقال : ( كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واحمدوا الله عليه ) وقال : ( يكون المهنأ لكم والعذاب على غيركم ) فأكلوا حتى صدروا عن سبعة آلاف وثلثمائة يتجشئون فبرئ كل سقيم أكل منه ، واستغنى كل فقير أكل منه حتى الممات ; فلما رأى ذلك الناس ازدحموا عليه فما بقي صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب ولا غني ولا فقير إلا جاءوا يأكلون منه ، فضغط بعضهم بعضا فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبا بينهم فكانت تنزل يوما ولا تنزل يوما ، كناقة ثمود ترعى يوما وتشرب يوما ، فنزلت أربعين يوما تنزل ضحى فلا تزال حتى يفيء الفيء موضعه ، وقال الثعلبي : فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صعدا فيأكل منها الناس ، ثم ترجع إلى السماء والناس ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم ، فلما تم أربعون يوما أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام ( يا عيسى اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء ) ، فتمارى الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراء ، وشكوا وشككوا الناس ; فقال الله يا عيسى : ( إني آخذ بشرطي ) فأصبح منهم ثلاثة وثلاثون خنزيرا يأكلون العذرة يطلبونها بالأكباء ، والأكباء - هي الكناسة واحدها كبا - بعدما كانوا يأكلون الطعام الطيب وينامون على الفرش اللينة ، فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا على عيسى يبكون ، وجاءت الخنازير فجثوا على ركبهم قدام عيسى ، فجعلوا يبكون وتقطر دموعهم فعرفهم عيسى فجعل يقول : ( ألست بفلان ) ؟ فيومئ برأسه ولا يستطيع الكلام ، فلبثوا كذلك سبعة أيام - ومنهم من يقول : أربعة أيام - ثم دعا الله عيسى أن يقبض أرواحهم ، فأصبحوا لا يدرى أين ذهبوا ؟ الأرض ابتلعتهم أو ما صنعوا ؟ ! .قلت : في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده ، وعن ابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي كان طعام المائدة خبزا وسمكا ، وقال ابن عطية : كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام ; وذكره الثعلبي ، وقال عمار بن ياسر وقتادة : كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمار من ثمار الجنة ، وقال وهب بن منبه : أنزله الله تعالى أقرصة من شعير وحيتانا ، وخرج الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير قال أبو عيسى : هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من [ ص: 287 ] حديث الحسن بن قزعة ، حدثنا حميد بن مسعدة قال حدثنا سفيان بن حبيب عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه ، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا ، وقال سعيد بن جبير : أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم ، وقال عطاء : نزل عليها كل شيء إلا السمك واللحم ، وقال كعب : نزلت المائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلا اللحم .قلت : هذه الثلاثة أقوال مخالفة لحديث الترمذي وهو أولى منها ; لأنه إن لم يصح مرفوعا فصح موقوفا عن صحابي كبير . والله أعلم ، والمقطوع به أنها نزلت وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه ، وذكر أبو نعيم عن كعب أنها نزلت ثانية لبعض عباد بني إسرائيل ، قال كعب : اجتمع ثلاثة نفر من عباد بني إسرائيل فاجتمعوا في أرض فلاة مع كل رجل منهم اسم من أسماء الله تعالى ; فقال أحدهم : سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم ; قالوا : نسألك أن تدعو الله أن يظهر لنا عينا ساحة بهذا المكان ; ورياضا خضرا وعبقريا ، قال : فدعا الله فإذا عين ساحة ورياض خضر وعبقري . ثم قال أحدهم : سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم ; فقالوا : نسألك أن تدعو الله أن يطعمنا شيئا من ثمار الجنة فدعا الله فنزلت عليهم بسرة فأكلوا منها لا تقلب إلا أكلوا منها لونا ثم رفعت ; ثم قال أحدهم : سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم ; فقالوا : نسألك أن تدعو الله أن ينزل علينا المائدة التي أنزلها على عيسى قال : فدعا فنزلت فقضوا منها حاجتهم ثم رفعت ; وذكر تمام الخبر .مسألة : جاء في حديث سلمان المذكور بيان المائدة وأنها كانت سفرة لا مائدة ذات قوائم ، والسفرة مائدة النبي صلى الله عليه وسلم وموائد العرب ، خرج أبو عبد الله الترمذي الحكيم : حدثنا محمد بن يسار ، قال حدثنا معاذ بن هشام ، قال حدثني أبي ، عن يونس ، عن قتادة ، عن أنس قال ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان قط ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق . قال : قلت لأنس : فعلام كانوا يأكلون ؟ قال : على السفر ; قال محمد بن بشار : يونس هذا هو أبو الفرات الإسكاف .قلت : هذا حديث صحيح ثابت اتفق على رجاله البخاري ومسلم ، وخرجه الترمذي قال : حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا معاذ بن هشام فذكره وقال فيه : حسن غريب . قال الترمذي أبو عبد الله : الخوان هو شيء محدث فعلته الأعاجم ، وما كانت العرب لتمتهنها ، وكانوا يأكلون على السفر واحدها سفرة وهي التي تتخذ من الجلود ولها معاليق تنضم وتنفرج ، فبالانفراج سميت سفرة لأنها إذا حلت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها فقيل لها السفرة [ ص: 288 ] وإنما سمي السفر سفرا لإسفار الرجل بنفسه عن البيوت ، وقوله : ولا في سكرجة ; لأنها أوعية الأصباغ ، وإنما الأصباغ للألوان ولم تكن من سماتهم الألوان ، وإنما كان طعامهم الثريد عليه مقطعات اللحم ، وكان يقول : انهسوا اللحم نهسا فإنه أشهى وأمرأ فإن قيل : فقد جاء ذكر المائدة في الأحاديث ; من ذلك حديث ابن عباس قال : لو كان الضب حراما ما أكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم ; خرجه مسلم وغيره . وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصلي الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعة خرجه الثقات ; وقيل : إن المائدة كل شيء يمد ويبسط مثل المنديل والثوب ، وكان من حقه أن تكون مادة الدال مضعفة ، فجعلوا إحدى الدالين ياء فقيل : مائدة ، والفعل واقع به فكان ينبغي أن تكون ممدودة ; ولكن خرجت في اللغة مخرج فاعل كما قالوا : سر كاتم وهو مكتوم ، وعيشة راضية وهي مرضية ، وكذلك خرج في اللغة ما هو فاعل على مخرج مفعول فقالوا : رجل مشئوم وإنما هو شائم ، وحجاب مستور وإنما هو ساتر ; قال فالخوان هو المرتفع عن الأرض بقوائمه ، والمائدة ما مد وبسط والسفرة ما أسفر عما في جوفه ، وذلك لأنها مضمومة بمعاليقها ، وعن الحسن قال : الأكل على الخوان فعل الملوك ، وعلى المنديل فعل العجم ، وعلى السفرة فعل العرب وهو السنة ، والله أعلم .
( قال الله ) تعالى مجيبا لعيسى عليه السلام ، ( إني منزلها عليكم ) يعني : المائدة وقرأ أهل المدينة وابن عامر وعاصم " منزلها " بالتشديد لأنها نزلت مرات ، والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى ، وقرأ الآخرون بالتخفيف لقوله : أنزل علينا ، ( فمن يكفر بعد منكم ) أي : بعد نزول المائدة ( فإني أعذبه عذابا ) أي جنس عذاب ، ( لا أعذبه أحدا من العالمين ) يعني : عالمي زمانه ، فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير ، قال عبد الله بن عمر : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون .واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد والحسن : لم تنزل لأن الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا ، وقالوا : لا نريدها ، فلم تنزل ، وقوله : " إني منزلها عليكم " ، يعني : إن سألتم .والصحيح الذي عليه الأكثرون : أنها نزلت ، لقوله تعالى : " إني منزلها عليكم " ، ولا خلف في خبره ، لتواتر الأخبار فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين .واختلفوا في صفتها فروى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها نزلت خبزا ولحما ، وقيل لهم : إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا [ وتخبؤوا ] فما مضى يومهم حتى خانوا وخبؤوا فمسخوا قردة وخنازير .وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن عيسى عليه السلام قال لهم : صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه ، فصاموا فلما فرغوا قالوا : يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا ، وسألوا الله المائدة فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها ، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم ، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم .قال كعب الأحبار : نزلت [ مائدة ] منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض ، عليها كل الطعام إلا اللحم .وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم ، قال قتادة كان عليها ثمر من ثمار الجنة .وقال عطية العوفي : نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء .وقال الكلبي : كان عليها خبز ورز وبقل .وقال وهب بن منبه : أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم وفضل .وعن الكلبي ومقاتل : أنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة ، فأكلوا ما شاء الله تعالى ، والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم ، ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد ، وقالوا : ويحكم إنما سحر أعينكم ، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرته ، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره ، ومسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة ، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا ، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا ، وكذلك كل ممسوخ .وقال قتادة : كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل ، وقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السلام صوفا وبكى ، وقال : " اللهم أنزل علينا مائدة من السماء " الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها ، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى ، وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ، واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه ، فقال عيسى عليه السلام : ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله تعالى ، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين : أنت أولى بذلك منا [ فقام عيسى عليه السلام ] فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا ، ثم كشف المنديل عنها ، وقال : بسم الله خير الرازقين فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ولا شوك عليها تسيل من الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث ، وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون ، وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد ، فقال شمعون : يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال : ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ، ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة ، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله ، قالوا : يا روح الله كن أول من يأكل منها ، فقال عيسى عليه السلام : معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها من سألها فخافوا أن يأكلوا منها ، فدعا لها أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين ، فقال : كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء ، فأكلوا وصدر عنها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض وزمن ومبتلى ، كلهم شبعان ، وإذا السمكة بهيئتها حين نزلت ، ثم طارت سفرة المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت ، فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى ، وندم من لم يأكل منها فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى ، فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء ، ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم ، وكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود ، فأوحى الله تعالى [ إلى عيسى عليه السلام ] اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء ، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها ، وقالوا : أترون المائدة حقا تنزل من السماء؟ فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام : إني شرطت أن من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، فقال عيسى عليه السلام : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثون رجلا باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ، ويأكلون العذرة في الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف بعيسى عليه السلام وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام ، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا .
وجملة { قال الله إنّي منزّلها } جواب دعاء عيسى ، فلذلك فصلت على طريقة المحاورة . وأكّد الخبر ب { إنّ } تحقيقاً للوعد . والمعنى إنّي منزّلها عليكم الآن ، فهو استجابة وليس بوعد .وقوله : { فَمنْ يكفرْ } تفريع عن إجابة رغبتهم ، وتحذير لهم من الوقوع في الكفر بعد الإيمان إعلاماً بأهمّية الإيمان عند الله تعالى ، فجعل جزاء إجابته إيّاهم أن لا يعودوا إلى الكفر فإن عادوا عُذّبوا عذاباً أشدّ من عذاب سائر الكفَّار لأنّهم تعاضد لديهم دليل العقل والحسّ فلم يبق لهم عُذر .والضمير المنصوب في قوله { لا أعذّبه } ضمير المصدر ، فهو في موضع المفعول المطلق وليس مفعولاً به ، أي لا أعذّب أحداً من العالمين ذلك العذاب ، أي مثل ذلك العذاب .وقد وقفت قصّة سؤال المائدة عند هذا المقدار وطُوي خبر ماذا حدث بعد نزولها لأنّه لا أثر له في المراد من القصّة ، وهو العبرة بحال إيمان الحواريَّين وتعلّقهم بما يزيدهم يقيناً ، وبقربهم إلى ربّهم وتحصيل مرتبة الشهادة على من يأتي بعدهم ، وعلى ضراعة المسيح الدالّة على عبوديته ، وعلى كرامته عند ربّه إذْ أجاب دعوته ، وعلى سعة القدرة . وأمّا تفصيل ما حوته المائدة وما دار بينهم عند نزولها فلا عبرة فيه . وقد أكثر فيه المفسَّرون بأخبار واهية الأسانيد سوى ما أخرجه الترمذي في أبواب التفسير عن الحسن بن قزعة بسنده إلى عمّار بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً » الحديث . قال الترمذي : هذا الحديث رواه غير واحد عن عمّار بن ياسر موقوفاً ولا نعرفه مرفوعاً إلاّ من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً .واختلف المفسّرون في أنّ المائدة هل نزلت من السماء أو لم تنزل . فعن مجاهد والحسن أنّهم لمّا سمعوا قوله تعالى : { فَمَن يكفر بعد منكم } الآية خافوا فاستعفوا من طلب نزولها فلم تنزل . وقال الجمهور : نزلت . وهو الظاهر لأنّ قوله تعالى : { إنّي منزّلها عليكم } وعد لا يخلف ، وليس مشروطاً بشرط ولكنه معقّب بتحذير من الكفر ، وذلك حاصل أثره عند الحواريّين وليسوا ممّن يخشى العود إلى الكفر سواء نزلت المائدة أم لم تنزل .وأمّا النصارى فلا يعرفون خبر نزول المائدة من السماء ، وكم من خبر أهملوه في الأناجيل .
ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحورايين من أقوال فقال - تعالى - : ( قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ) .وقوله : ( منزلها ) ورد فيه قراءاتان متواتران .إحداهما : منزلها - بتشديد الزاي - من التنزيل وهي تفيد التكثير أو التدريج كما تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل . وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع .وقرأ الباقون ( منزلها ) بكسر الزاي - من الإِنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة .والمعنى : قال الله - تعالى - إني منزل عليكم المائدة من السماء إجابة لدعاء رسولي عيسى - عليه السلام - ( فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ ) أي فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها ( فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ) أي : فإن الله - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذاباً لا يعذب مثله أحداً من عالمي زمانه أو من العالمين جميعاً .وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها : حرف إن في قوله ( فإني أُعَذِّبُهُ ) ومنها : المصدر في قوله ( فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً ) إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب .ومنها : وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين .وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه : أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه ، وبعد رؤيته ومشاهدته؛ وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته ، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله .أقول : الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد ، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب ، وأعظم العقاب .هذا ، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريم’ ، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشيء من التفصيل .المسألة الأولى : آراء العلماء في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم .المسألة الثانية : آراء العلماء في نزول المائدة وعدم نزولها .وللإجابة على المسألة الأولى نقول : لعل منشأ الخلاف في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء ) ؟ فإن هذا القول يسشعر بشكهم في قدرة الله على إنزال هذه المائدة .وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشري - إلى عدم إيمانهم ، وجعلوا الظرف في قوله : ( إِذْ قَالَ الحواريون ) متعلقا بقوله قبل ذلك ( قالوا آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ) .أي : أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون ، في الوقت الذي قالوا له فيه ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) فكأنهم ادعوا الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان ، وإلا فلو كانوا صادقين في دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام : ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قالوا : ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) بعد إيمنهم وإخلاصهم؟ قلت : ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص ، وإنما حكى ادعاءهم لهما ، ثم اتبعه بقوله : ( وَإِذْ قَالُواْ ) فإذن دعواهم كانت باطلة ، وانهم كانوا شاكين ، وقوله : ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم . وكذلك قول عيسى لهم معناه : اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته ، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها ( إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ) أي : إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة .وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها :1 - أن الظرف في قوله : ( إِذْ قَالَ الحواريون ) ليس متعلقا بقوله : ( قالوا آمَنَّا ) وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر ، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود في تفسيره فقد قال :قوله : ( إِذْ قَالَ الحواريون ) كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله ، كما ينبئ عنه الإِظهار في موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر .وقي : هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم .2 - أن قول الحواريين لعيسى ( َلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء ) لا يسحب عنهم الإِيمان ، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها .( أ ) أن قولهم لم يكن من باب الشك في قدرة الله ، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظري بدليل أنهم قالوا بعد ذلك ( نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ) .وشبيه بهذا قول إبراهيم ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) قال القرطبي ما ملخصه : " الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم ، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبرونظر فأرادوا علم معاينة كذلك ، كما قال إبراهيم ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى ) وقد كان إبراهمي علم ذلك علم خبر ونظر ، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر واخلبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات ، وعلم المعاينة ، لا يدخله شيء من ذلك ، ولذلك قال الحواريون : ( وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ) كما قال إبراهيم ( وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ( ب ) أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه ، وقد بسط الآلوسي هذا المعنى فقال : إن معنى ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام : هل تستطيع أن تقوم معي مبالغة في التقاضي .والتعبير عن الفعل بالاستطاعة ، من باب التعبير عن المسبب بالسبب ، إذ هي - أي الاستطاعة - من أسباب الإيجاد .( ج ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازي : قال السدي؛ قوله ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) أي : هل يطيعك ربك إن سألته . وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة .والذي نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التي ذكرناها ، ولأن الله - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال :( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ) ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم ، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذرهم .ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين ، لما أمر الله أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بهم في إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنصَارُ الله ) وقال - تعالى - ( فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) فهاتان الآيتان صريحتان في مدح الحواريين وفي أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة ، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد .وأما المسألة الثانية : وهي آراء العلماء في نزول المائدة : فالجمهور على أنها نزلت .وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه : والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال :إن الله أنزل المائدة . . لأن الله لا يخلف وعده ، ولا يقع في خبره الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك ( إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ) وغير جائز أن يقول الله إني منزلهاه عليكم ثم لا ينزلها ، لأن ذلك منه - تعالى - خبر ، ولا يكون منه خلاف ما يخبر .وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال : وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب ، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم .ومن الآثار ما خرجه الترمذي عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحما ، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد : فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير " .قال الترمذي : وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح .وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس ، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء . قال : فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها . عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة . فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم .والذي يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيراً عما كان على المائدة من أصناف الطعام ، وعن كيفية نزولها ومكانه ، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها ، والأكل منها والباقي عليها بعد الأكل . وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا ، لضعف أسانيده ، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر - رحمه الله - أثرا طويلا في هذا المعنى ثم قال في نهايته : هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم في مواضع من هذه القصة ، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم .ويعجبني في هذا المقام قول ابن جرير : وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة ، فأن يقال : كان عليها مأكول . وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزاً ، وجائز أن يكون من ثمر الجنة ، وغير نافع العلم به ، ولا ضار الجهل به ، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل .ويرى الحسن ومجاخد أن المائدة لم تنزل ، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال : كان الحسن يقول : لما قيل لهم : ( فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ ) قالوا : لا حاجة لنا فيها فلم تنزل .وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً أنه قال في المائدة : إنها لم تنزل .وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء .أي : مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه .قال الحافظ ابن كثير : وهذه أساندي صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى . ولس في كتابهم ، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله . وكان يكون موجوداً في كتابهم متواتراً ولا أقل من الآحاد .وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال : ولنا أن نقول : إن هذا الاستدلال إن كان يعني عدم نزولها فقط ، فقد يكون له شيء من الوجاهة وإن كان يعني أنها لا تنزل ولم يسأل ، فهو محل نظير كبير ، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعي على نقله ، لا سيما وعيسى في بيئة محصورة : جماعة سألوا وأجيبوا ، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها في كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها . وتذوقوا طعامها ، ولم يذكر عن ذلك شيء .وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب ، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - تعالى - في القرآن قد قصه في غيره من الكتب المتقدمة ، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شيء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التي لم تنته بحادث كوني حتى يكون عدم ذكرهم إياها في أنا جيلهم - التي وضعوها - دليلا على عدم سؤالها . فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين .ومن الجائز أن تكون مما ورد في الأناجيل ، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما . والقرآن كما وصف بنفسه مهيمن على كتبهم التي وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيراً منها ، وأنه يبين لهم كثقيرا مما كانوا يخفون .هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء ، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها ، كما جاء في الآية الكريمة .ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟ فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك في قوله ( إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ) والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل ، لأن الوعد بنزلوها مقيد بما رتب علي من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها ، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا : لا حاجة لنا فيها . فلم تنزل . ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب ، لأن ظاهر الآيات يؤيده ، وكذلك الآثار التي وردت في ذلك .
About this surah
Madani · order 112
Summary
This Surah takes its' name from verse 112 in which the word mai'dah occurs. Like the names of many other surahs, this name has no special relation to the subject of the Surah but has been used merely as a symbol to distinguish it from other surahs.
Quranic Universal Library (QUL) — Surah info (English)
قَالَSaid
ٱللَّهُAllah
إِنِّىIndeed I
مُنَزِّلُهَا(will) send it down
عَلَيْكُمْ ۖto you
فَمَنthen whoever
يَكْفُرْdisbelieves
بَعْدُafter (that)
مِنكُمْamong you
فَإِنِّىٓthen indeed I
أُعَذِّبُهُۥ[I] will punish him
عَذَابًۭا(with) a punishment
لَّآnot
أُعَذِّبُهُۥٓI have punished
أَحَدًۭاanyone
مِّنَamong
ٱلْعَـٰلَمِينَthe worlds
Quranic Universal Library (QUL) — Quranic Arabic Corpus word-by-word (English)