Deep study · دِرَاسَة
34:18
Arabic · translations · word-by-word · tafsīr · mutashabihat watchlist
Deep study · دِرَاسَة
Arabic · translations · word-by-word · tafsīr · mutashabihat watchlist
Verse · Āyah
34:18
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا قُرًۭى ظَـٰهِرَةًۭ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ۖ سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨
And We set, between them and the towns which We had blessed, towns easy to be seen, and We made the stage between them easy, (saying): Travel in them safely both by night and day.
And We placed between them and the cities which We had blessed [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey, [saying], "Travel between them by night or day in safety."
We placed other prominent towns between them, the towns that We had blessed and had set well-measured stages between them. Move back and forth between them, night and day, in perfect security.
يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الغِبْطة وَالنِّعْمَةِ، وَالْعَيْشِ الْهَنِيِّ الرَّغِيدِ، وَالْبِلَادِ الرَّخِيَّةِ، وَالْأَمَاكِنِ الْآمِنَةِ، وَالْقُرَى الْمُتَوَاصِلَةِ الْمُتَقَارِبَةِ، بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إِنَّ مُسَافِرَهُمْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَمل زَادٍ وَلَا مَاءٍ، بَلْ حَيْثُ نَزَلَ وَجَدَ مَاءً وَثَمَرًا، ويَقيل فِي قَرْيَةٍ وَيَبِيتُ فِي أُخْرَى، بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي سَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ ، قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هِيَ قُرًى بِصَنْعَاءَ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، والسُّدِّي، وَابْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ [[في ت: "وخلق غيرهما".]] : يَعْنِي: قُرَى الشَّامِ. يَعْنُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى الشَّامِ فِي قُرًى ظَاهِرَةٍ مُتَوَاصِلَةٍ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [[في ت: "هي".]] : بَيْتُ الْمَقْدِسِ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنْهُ أَيْضًا: هِيَ قُرًى عَرَبِيَّةٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ.
﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أَيْ: بَيِّنَةً وَاضِحَةً، يَعْرِفُهَا الْمُسَافِرُونَ، يَقيلون فِي وَاحِدَةٍ، وَيَبِيتُونَ فِي أُخْرَى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهَا بِحَسْبَ مَا يَحْتَاجُ الْمُسَافِرُونَ إِلَيْهِ، ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ أَيِ: الْأَمْنُ حَاصِلٌ لَهُمْ فِي سَيْرِهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ، وَقَرَأَ آخَرُونَ: "بَعِّدْ بَيْنِ أَسْفَارِنَا "، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ بَطروا هَذِهِ النِّعْمَةَ -كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ-وَأَحَبُّوا مَفَاوِزَ وَمَهَامِهَ يَحْتَاجُونَ فِي قَطْعِهَا إِلَى الزَّادِ وَالرَّوَاحِلِ وَالسَّيْرِ فِي الحَرُور وَالْمَخَاوِفِ، كَمَا طَلَبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ مُوسَى أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ لَهُمْ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ فِي مَنّ وَسَلْوَى وَمَا يَشْتَهُونَ مِنْ مَآكِلَ وَمَشَارِبَ وَمَلَابِسَ مُرْتَفِعَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [الْقَصَصِ: ٥٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١١٢] . وَقَالَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ: ﴿وَظَلَمُوا [[في ت، س، أ: "فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا".]] أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: بِكُفْرِهِمْ، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُمْ حَدِيثًا لِلنَّاسِ، وَسمَرًا يَتَحَدَّثُونَ بِهِ مِنْ [[في ت: "في".]] خَبَرِهِمْ، وَكَيْفَ مَكَرَ اللَّهُ بِهِمْ، وَفَرَّقَ شَمْلَهُمْ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ وَالْأُلْفَةِ وَالْعَيْشِ الْهَنِيءِ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ هَاهُنَا وَهَاهُنَا؛ وَلِهَذَا تَقُولُ الْعَرَبُ فِي الْقَوْمِ إِذَا تَفَرَّقُوا: "تَفَرَّقُوا أَيْدِيَ سَبَأٍ" "وَأَيَادِيَ سَبَأٍ" وَ "تَفَرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ". [[في ت: "ومدر".]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده إلى عكرمة".]] عِكْرِمَةَ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ أَهْلِ سَبَأٍ، قَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ [عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ] ﴾ [[زيادة من ت، س، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ وكانت فيهم كَهَنَةٌ، وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، فَأَخْبَرُوا الْكَهَنَةَ [[في س: "فأخبروا به الكهنة".]] بِشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ [[في أ: "خبر".]] السَّمَاءِ، فَكَانَ [[في س: "وكان".]] فِيهِمْ رَجُلٌ كَاهِنٌ شَرِيفٌ كَثِيرُ الْمَالِ، وَإِنَّهُ خُبّر أَنَّ زَوَالَ أَمْرِهِمْ قَدْ دَنَا، وَأَنَّ الْعَذَابَ قَدْ أَظَلَّهُمْ [[في أ: "أضلهم".]] . فَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَصْنَعُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ مِنْ عَقَارٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِيهِ -وَهُوَ أَعَزُّهُمْ أَخْوَالًا-: إِذَا كَانَ غَدًا وَأَمَرْتُكَ بِأَمْرٍ فَلَا تَفْعَلْ، فَإِذَا انْتَهَرْتُكَ فَانْتَهِرْنِي، فَإِذَا تَنَاوَلْتُكَ فَالْطِمْنِي. فَقَالَ: يَا أَبَتِ، لَا تَفْعَلْ، إِنَّ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَأَمْرٌ شَدِيدٌ، قَالَ: يَا بُنَيَّ، قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى وَافَاهُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، قَالَ: يَا بُنَيَّ، افْعَلْ كَذَا وَكَذَا. فَأَبَى، فَانْتَهَرَهُ أَبُوهُ، فَأَجَابَهُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَنَاوَلَهُ أَبُوهُ، فَوَثَبَ عَلَى أَبِيهِ فَلَطَمَهُ، فَقَالَ: ابْنِي يَلْطِمُنِي؟ عَلَيّ بِالشَّفْرَةِ. قَالُوا: وَمَا تَصْنَعُ بِالشَّفْرَةِ؟ قَالَ: أَذْبَحُهُ. قَالُوا: تَذْبَحُ ابْنَكَ. الْطِمْهُ أَوِ اصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. قَالَ: فَأَبَى، قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى أَخْوَالِهِ فَأَعْلَمُوهُمْ ذَلِكَ، فَجَاءَ أَخْوَالُهُ فَقَالُوا: خُذْ مِنَّا مَا بَدَا لَكَ. فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَذْبَحَهُ. قَالُوا: فَلَتَمُوتَنَّ قَبْلَ أَنْ تَذْبَحَهُ. قَالَ: فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ هَكَذَا فَإِنِّي لَا أَرَى أَنْ أُقِيمَ بِبَلَدٍ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَ وَلَدِي [[في ت، س: "ابنى".]] فِيهِ، اشْتَرُوا مِنِّي دُورِي، اشْتَرُوا مِنِّي أَرْضِي، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى باع دوره وأرضيه وَعَقَارَهُ، فَلَمَّا صَارَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ وَأَحْرَزَهُ، قَالَ: أَيْ قَوْمِ، إِنَّ الْعَذَابَ قَدْ أَظَلَّكُمْ، وَزَوَالُ أَمْرِكُمْ قَدْ دَنَا، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ دَارًا جَدِيدًا، وَجَمَلًا شَدِيدًا، وَسَفَرًا بَعِيدًا، فَلْيَلْحَقْ بِعَمَّانَ. وَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الخَمْر والخَمير والعَصير -وَكَلِمَةً، قَالَ [[في ت: "قالها".]] إِبْرَاهِيمُ: لَمْ أَحْفَظْهَا-فَلْيَلْحَقْ [[في ت: "فيحق".]] ببصْرَى، وَمَنْ أَرَادَ الرَّاسِخَاتِ فِي الْوَحْلِ، الْمُطْعِمَاتِ فِي الْمَحْلِ، الْمُقِيمَاتِ فِي الضَّحْلِ، فَلْيَلْحَقْ [[في ت: "فليحق".]] بِيَثْرِبَ ذَاتِ نَخْلٍ. فَأَطَاعَهُ قَوْمُهُ [[في س: "قومنا".]] فَخَرَجَ أَهْلُ عُمَانَ إِلَى عُمَانَ. وَخَرَجَتْ غَسَّانُ إِلَى بُصْرَى. وَخَرَجَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَبَنُو عُثْمَانَ إِلَى يَثْرِبَ ذَاتِ النَّخْلِ. قَالَ: فَأَتَوْا عَلَى بَطْنِ مُرٍّ فَقَالَ بَنُو عُثْمَانَ: هَذَا مَكَانٌ صَالِحٌ، لَا نَبْغِي بِهِ بَدَلًا. فَأَقَامُوا بِهِ، فَسُمُّوا لِذَلِكَ خُزَاعَةَ، لِأَنَّهُمُ انْخَزَعُوا مِنْ أَصْحَابِهِمْ، وَاسْتَقَامَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى نَزَلُوا الْمَدِينَةَ، وَتَوَجَّهَ أَهْلُ عُمَانَ إِلَى عُمَانَ، وَتَوَجَّهَتْ غَسَّانُ إِلَى بُصْرَى.
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، وَهَذَا الْكَاهِنُ هُوَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ أَحَدُ رُؤَسَاءِ الْيَمَنِ وَكُبَرَاءِ سَبَأٍ وَكُهَّانِهِمْ. [[في ت: "كهناتهم".]]
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ، بِسَبَبِ اسْتِشْعَارِهِ بِإِرْسَالِ العَرم فَقَالَ: وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنَ الْيَمَنِ -فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ-: أَنَّهُ رَأَى جُرَذًا يَحفر [[في س: "تحفر".]] فِي سَدِّ مَأْرِبَ، الَّذِي كَانَ يَحْبِسُ عَنْهُمُ الْمَاءَ فَيَصْرِفُونَهُ حَيْثُ شاؤوا مِنْ أَرْضِهِمْ. فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلسَّدِّ عَلَى ذَلِكَ، فَاعْتَزَمَ عَلَى النَّقُلة عَنِ الْيَمَنِ فَكَادَ [[في ت، س: "وكاد".]] قَوْمَهُ، فَأَمَرَ أَصْغَرَ أَوْلَادِهِ إِذَا أَغْلَظَ لَهُ وَلَطَمَهُ أَنْ يَقُومَ إِلَيْهِ فَيَلْطِمُهُ، فَفَعَلَ ابْنُهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَا أُقِيمُ بِبَلَدٍ لَطَم وَجْهِي فِيهَا أَصْغَرُ وَلَدِي [[في ت: "أولادى".]] . وعرض أمواله، فقال أَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ: اغْتَنَمُوا غَضْبَةَ عَمْرٍو. فَاشْتَرَوْا مِنْهُ أَمْوَالَهُ، وَانْتَقَلَ هُوَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ. وَقَالَتِ الْأَزْدُ: لَا نَتَخَلَّفُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ. فَبَاعُوا أَمْوَالَهُمْ، وَخَرَجُوا مَعَهُ فَسَارُوا [[في ت: "فسار".]] حَتَّى نَزَلُوا بِلَادَ "عَكَّ" مُجْتَازِينَ يَرْتَادُونَ الْبُلْدَانَ، فَحَارَبَتْهُمْ عَكُّ، وَكَانَتْ حَرْبُهُمْ سجَالا. فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسَ السُّلَمِيُّ:
وَعَكَ بنُ عَدنَانَ الذين تَغَلَّبُوا ... بِغَسَّانَ، حَتَّى طُرّدُوا كُلّ مَطْرَد ...
وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْ [[في ت، س: "في".]] قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ: ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهُمْ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، فَنَزَلَ آلُ جَفْنَة بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الشَّامَ، وَنَزَلَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ يَثْرِبَ، وَنَزَلَتْ خُزَاعَةُ مَرّا. وَنَزَلَتْ أَزْدُ السَّرَاةِ السَّرَاةَ، وَنَزَلَتْ أَزِدُ عُمَان عُمان، ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى السَّدِّ السَّيْلَ فهدمَه، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَاتِ. [[السيرة النبوية لابن هشام (١/١٠) .]]
وَقَدْ ذَكَرَ السُّدِّيُّ قِصَّةَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ بِنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "فَأَمَرَ ابْنَ أَخِيهِ"، مَكَانَ "ابْنِهِ"، إِلَى قَوْلِهِ: "فَبَاعَ مَالَهُ وَارْتَحَلَ بِأَهْلِهِ، فَتَفَرَّقُوا". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا [سَلَمَةُ] [[زيادة من ت، والطبري.]] ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: يَزْعُمُونَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ -وَهُوَ عَمُّ الْقَوْمِ-كَانَ كَاهِنًا، فَرَأَى فِي كَهَانَتِهِ أَنَّ قَوْمَهُ سَيمَزّقون ويباعَدُ بَيْنَ أَسْفَارِهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَتُمَزَّقُونَ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا هَمٍّ بَعِيدٍ وَجَمَلٍ شَدِيدٍ، ومَزَاد جَديد -فَلْيَلْحَقْ بِكَاسٍ أَوْ كَرُودَ. قَالَ: فَكَانَتْ وَادَعَةُ بْنُ عَمْرٍو. ومَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا هَمّ مُدْن، وَأَمْرٍ دَعْن، فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِ شَنْ. فَكَانَتْ عَوْفُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ: بَارِقُ. ومَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ عَيْشًا آنِيًا، وَحَرَمًا آمِنًا، فَلْيَلْحَقْ بِالْأَرْزِينِ. فَكَانَتْ خُزَاعَةُ. ومَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الرَّاسِيَاتِ فِي الْوَحْلِ، الْمُطْعِمَاتِ فِي الْمَحْلِ، فَلْيَلْحَقْ بِيَثْرِبَ ذَاتِ النَّخْلِ. فَكَانَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَهُمَا هَذَانِ الْحَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ. ومَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ خَمْرًا وخَميرا، وَذَهَبًا وَحَرِيرًا، وَمُلْكًا وَتَأْمِيرًا، فَلْيَلْحَقْ بكُوثي وبُصرى، فَكَانَتْ غسانَ بَنُو جَفنة [[في ت: "بنو حنيفة".]] ملوكُ الشَّامِ. ومَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْعِرَاقِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّمَا قَالَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ طريفةُ امْرَأَةُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَكَانَتْ كَاهِنَةً، فَرَأَتْ فِي كَهَانَتِهَا ذَلِكَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. [[تفسير الطبري (٢٢/٥٩) .]]
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَمَّا غَسَّانُ فَلَحِقُوا بِالشَّامِ، وَأَمَّا الْأَنْصَارُ فَلَحِقُوا بِيَثْرِبَ، وَأَمَّا خُزَاعَةَ فَلَحِقُوا بِتِهَامَةَ، وَأَمَّا الْأَزْدُ فَلَحِقُوا بِعُمَانَ، فَمَزَّقَهُمُ اللَّهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ الْأَعْشَى -أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ-وَاسْمُهُ: مَيْمُونُ بْنُ قيس: وَفي ذَاكَ للمُؤتَسي [[في ت: "وفي ذلك للمتوسى".]] أسْوَةٌ ... ومَأربُ عَفّى عَلَيها العَرمْ ...
رُخَام بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيرُ ... إِذَا جاءَ مَوَارهُ لَمْ يَرمْ ...
فَأرْوَى الزُّرُوعَ وَأعنَابَها ... عَلَى سَعَة مَاؤهُمْ إذْ [[في ت: "إذا".]] قُسِم ...
فَصَارُوا أيَادي مَا يَقْدرُو ... نَ منْه عَلَى شُرب طِفْل فُطِم [[السيرة النبوية لابن هشام (١/١٤) .]]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي هَذَا الَّذِي حَلَّ بِهَؤُلَاءِ مِنَ النِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ، وَتَبْدِيلِ النِّعْمَةِ وَتَحْوِيلِ الْعَافِيَةِ، عقوبةَ عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْآثَامِ -لَعِبْرَةً وَدَلالةً لِكُلِّ عَبْدٍ صَبَّارٍ [[في ت: "صبار شكور على".]] عَلَى الْمَصَائِبِ، شَكُورٍ عَلَى النِّعَمِ.
قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ الْمَعْنِيُّ، قَالَا أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ العَيْزَار بْنِ حُرَيث عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ -هُوَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَجِبْتُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمدَ رَبَّه وَشَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِد رَبَّهُ وصَبَر، يُؤْجَرُ الْمُؤْمِنُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ".
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي "الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةَ"، مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي، بِهِ [[المسند (١/١٧٣) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٩٠٦) .]] -وَهُوَ حَدِيثٌ عَزِيزٌ-مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَلَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا [[في ت، س: "خيرًا له".]] ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ". [[لم أجده من حديث أبي هريرة، وقد رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٩٩) من حديث صهيب، رضي الله عنه.]]
قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ [[في ت: "وعن".]] قَتَادَةَ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قَالَ: كَانَ مُطَرَّفٌ يَقُولُ: نِعْمَ الْعَبْدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ، الَّذِي إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ.
About this surah
Makki · order 58
Summary
The Surah takes its name from verse 15 in which the word Saba has occurred, which implies that it is the Surah in which mention has been made of Saba (i. e. the Sabaeans).
Quranic Universal Library (QUL) — Surah info (English)
Quranic Universal Library (QUL) — Quranic Arabic Corpus word-by-word (English)