Deep study · دِرَاسَة
2:124
Arabic · translations · word-by-word · tafsīr · mutashabihat watchlist
Deep study · دِرَاسَة
Arabic · translations · word-by-word · tafsīr · mutashabihat watchlist
Verse · Āyah
2:124
۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٢٤
And (remember) when his Lord tried Abraham with (His) commands, and he fulfilled them, He said: Lo! I have appointed thee a leader for mankind. (Abraham) said: And of my offspring (will there be leaders)? He said: My covenant includeth not wrong-doers.
And [mention, O Muhammad], when Abraham was tried by his Lord with commands and he fulfilled them. [Allah] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allah] said, "My covenant does not include the wrongdoers."
Recall to mind that when his Lord put Abraham to test in certain things and he fulfilled all of them, He said, "I am going to make you the leader of mankind." Abraham humbly asked, "Does this promise apply to my descendants also?" He replied, "My promise does not apply to the transgressors."
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى شَرَفِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في جـ: "عليه الصلاة والسلام".]] وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ يُقْتَدَى بِهِ فِي التَّوْحِيدِ، حَتَّى [[في أ، و: "حين".]] قَامَ بِمَا كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أَيْ: وَاذْكُرْ -يَا مُحَمَّدُ -لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ ملَّة إِبْرَاهِيمَ وَلَيْسُوا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الذِي هُوَ عَلَيْهَا مُسْتَقِيمٌ فَأَنْتَ وَالَّذِينَ [[في جـ: "فأنت والذي".]] مَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اذْكُرْ لِهَؤُلَاءِ ابْتِلَاءَ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ، أَيِ: اخْتِبَارُهُ لَهُ بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أَيْ: قَامَ [[في جـ: "أي أقام".]] بِهِنَّ كُلِّهِنَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] ، أَيْ: وَفَّى جَمِيعَ مَا شَرَعَ لَهُ، فَعَمِلَ بِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ* ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠ -١٢٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦٧، ٦٨]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ أَيْ: بِشَرَائِعَ وَأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، فَإِنَّ الْكَلِمَاتِ تُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهَا الْكَلِمَاتُ الْقَدَرِيَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا السَّلَامُ،: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] . وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ] [[زيادة من ط.]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٥] أَيْ: كَلِمَاتُهُ الشَّرْعِيَّةُ. وَهِيَ إِمَّا خَبَرُ صِدْقٍ، وَإِمَّا طَلَبُ عَدْلٍ إِنْ كَانَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أَيْ: قَامَ بِهِنَّ. قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أَيْ: جَزَاءً عَلَى مَا فَعَل، كَمَا قَامَ بِالْأَوَامِرِ وتَرَكَ الزَّوَاجِرَ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ قُدْوَةً وَإِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، ويحتذى حذوه.
وَقَدِ اخْتَلَفَ [الْعُلَمَاءُ] [[زيادة من أ.]] فِي تَفْسِيرِ [[في و: "تعيين".]] الْكَلِمَاتِ التِي اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٍ:
فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْمَنَاسِكِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ -أَيْضًا -: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابن طاووس، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قَالَ: ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالطَّهَارَةِ: خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ؛ فِي الرَّأْسِ: قَص الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وفَرْق الرَّأْسِ. وَفِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، ونَتْف الْإِبِطِ، وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ [[تفسير عبد الرزاق (١/٧٦) .]] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ورُوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، والنَّخَعي، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي الْجَلَدِ، نَحْوَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللَّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ البرَاجم، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ" [قَالَ مُصْعَبٌ] [[زيادة من جـ، ط.]] وَنَسِيَتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةُ.
قَالَ وَكِيع: انْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي: الِاسْتِنْجَاءُ [[صحيح مسلم برقم (٢٦١) .]] .
وَفِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ". وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٥٨٨٩) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قِرَاءَةً، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ ابْنِ هُبيرة، عَنْ حَنَش [[في جـ، ط: "حنيش"، وفي أ: "حسين".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قَالَ: عَشْرٌ، سِتٌّ فِي الْإِنْسَانِ، وَأَرْبَعٌ فِي الْمَشَاعِرِ. فَأَمَّا التِي فِي الْإِنْسَانِ: حَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَالْخِتَانُ. وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَاحِدَةٌ. وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَالسِّوَاكُ، وَغُسْلُ يَوْمِ الْجُمْعَةِ. وَالْأَرْبَعَةُ التِي فِي الْمَشَاعِرِ: الطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ، وَالْإِفَاضَةُ.
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كُلِّهِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قُلْتُ لَهُ: وَمَا الكلماتُ التِي ابْتَلَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِهِنَّ فَأَتْمَهُنَّ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ ثَلَاثُونَ سَهْمًا، مِنْهَا عَشْرُ آيَاتٍ فِي بَرَاءَةٍ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [الْحَامِدُونَ] [[زيادة من جـ.]] ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٢] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [[في و: "إلى آخر الآيات".]] وَعَشْرُ آيَاتٍ فِي أَوَّلِ سُورَةِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ وَعَشْرُ آيَاتٍ فِي الْأَحْزَابِ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الْآيَةَ: ٣٥] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَأَتْمَهُنَّ كُلَّهُنَّ، فَكُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] .
هَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، بِأَسَانِيدِهِمْ إِلَى دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٣/٨) وتفسير ابن أبي حاتم (١/٣٦٠) .]] . وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، قَالَ: الْكَلِمَاتُ التِي ابْتَلَى اللَّهُ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ فَأَتَمَّهُنَّ: فِرَاقُ قَوْمِهِ -فِي اللَّهِ -حِينَ أُمِرَ بِمُفَارَقَتِهِمْ. ومحاجَّته نُمْرُوذَ [[في جـ: "ومحاجته بنمروذ".]] -فِي اللَّهِ -حِينَ وَقَفَهُ عَلَى مَا وَقَفَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَطَرِ الْأَمْرِ الذِي فِيهِ خِلَافُهُ. وَصَبْرُهُ عَلَى قَذْفِهِ إِيَّاهُ فِي النَّارِ لِيَحْرِقُوهُ -فِي اللَّهِ -عَلَى هَوْلِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَالْهِجْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ وَطَنِهِ وَبِلَادِهِ -فِي اللَّهِ -حِينَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُمْ، وَمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الضِّيَافَةِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ حِينَ أَمَرَهُ بِذَبْحِهِ، فَلَمَّا مَضَى عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كُلِّهِ وَأَخْلَصَهُ لِلْبَلَاءِ [[في جـ: "ذلك من البلاء كله وأخلصه للبلاء".]] قَالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عَلَى مَا كَانَ مِنْ خِلَافِ النَّاسِ وَفِرَاقِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّة، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ -يَعْنِي الْبَصْرِيَّ -: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [فَأَتَمَّهُنَّ] [[زيادة من أ.]] ﴾ قَالَ: ابْتَلَاهُ بِالْكَوْكَبِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وَابْتَلَاهُ بِالْقَمَرِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وَابْتَلَاهُ بِالشَّمْسِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وَابْتَلَاهُ بِالْهِجْرَةِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وَابْتَلَاهُ بِالْخِتَانِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وَابْتَلَاهُ بِابْنِهِ فَرَضِيَ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: أَيْ وَاللَّهِ، ابْتَلَاهُ بِأَمْرٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِ: ابْتَلَاهُ بِالْكَوْكَبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَأَحْسَنَ فِي ذَلِكَ، وَعَرَفَ أَنَّ رَبَّهُ [[في جـ: "أن الله ربه".]] دَائِمٌ لَا يَزُولُ، فَوَجَّهَ وجهه للذي فطر السموات وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ ابْتَلَاهُ بِالْهِجْرَةِ فَخَرَجَ مِنْ بِلَادِهِ وَقَوْمِهِ حَتَّى لَحِقَ بِالشَّامِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ ابْتَلَاهُ بِالنَّارِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ. وَابْتَلَاهُ اللَّهُ بِذَبْحِ ابْنِهِ [[في ط: "بذبح ولده".]] وَالْخِتَانِ فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [فَأَتَمَّهُنَّ] [[زيادة من جـ.]] ﴾
قَالَ: ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، وَبِالنَّارِ، وَالْكَوْكَبِ [[في أ، و: "والكواكب".]] وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سَلْم بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قَالَ: ابْتَلَاهُ بِالْكَوْكَبِ، وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، فَوَجَدَهُ صَابِرًا.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ فَمِنْهُنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [[في جـ، ط: "قال إني".]] وَمِنْهُنَّ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ وَمِنْهُنَّ: الْآيَاتُ فِي شَأْنِ الْمَنْسَكِ وَالْمَقَامِ الذِي جَعَلَ لِإِبْرَاهِيمَ، وَالرِّزْقِ الذِي رُزِقَ سَاكِنُو الْبَيْتِ، وَمُحَمَّدٌ بُعِثَ فِي دِينِهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قَالَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنِّي مُبْتَلِيكَ بِأَمْرٍ فَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْعَلُنِي لِلنَّاسِ إِمَامًا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟ ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: تَجْعَلُ الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَمْنًا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَتَجْعَلُنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ؟ قال: نَعَمْ. قَالَ: وَتَرْزُقُ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح: سَمِعْتُهُ مِنْ عِكْرِمَةَ، فَعَرَضْتُهُ عَلَى مُجَاهِدٍ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قَالَ: ابْتُلِيَ بِالْآيَاتِ التِي بَعْدَهَا: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [فَأَتَمَّهُنَّ] [[زيادة من أ.]] ﴾ قَالَ: الْكَلِمَاتُ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الْكَلِمَاتِ التِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ.
قَالَ السُّدِّيُّ: الْكَلِمَاتُ التِي ابْتَلَى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ رَبُّه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ، ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
[وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ وَأَوَّلُ مَنْ ضَافَ الضَّيْفَ، وَأَوَّلُ مَنِ اسْتَحَدَّ، وَأَوَّلُ مَنْ قَلَّم أَظْفَارَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ، وَأَوَّلُ مَنْ شَابَ فَلَمَّا رَأَى الشَّيْبَ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: وَقَارٌ، قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي وَقَارًا. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ عَلَى الْمَنَابِرِ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ غَيْرُهُ: وَأَوَّلُ مَنْ برَّد الْبَرِيدَ، وَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ بِالسَّيْفِ، وَأَوَّلُ مَنِ اسْتَاكَ، وَأَوَّلُ مَنِ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنْ أَتَّخِذِ الْمِنْبَرَ فَقَدِ اتَّخَذَهُ أَبِي إِبْرَاهِيمُ، وَإِنْ أَتَّخِذِ الْعَصَا فَقَدِ اتَّخَذَهَا أَبِي إِبْرَاهِيمُ" قُلْتُ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ شَرَعَ الْقُرْطُبِيُّ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ] [[زيادة من جـ، ط، أ.]] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ جميعُ مَا ذُكِرَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضَ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ الجزمُ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ المرادُ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا بِحَدِيثٍ أَوْ إِجْمَاعٍ. قَالَ: وَلَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ وَلَا بِنَقْلِ الْجَمَاعَةِ الذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ.
قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي نَظِيرِ مَعْنَى ذَلِكَ خَبَرَانِ، أَحَدُهُمَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا رَشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي زَبَّانُ بْنُ فَائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] ؟ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَكُلَّمَا أَمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٧] حَتَّى يَخْتِمَ الْآيَةَ" [[تفسير الطبري (٣/١٥) .]] .
قَالَ: وَالْآخَرُ مِنْهُمَا: حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كَرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ، عَنْ عَطِيَّةَ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أَتُدْرُونَ مَا وَفَّى؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "وفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ، أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ".
وَرَوَاهُ آدَمُ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، بِهِ [[تفسير الطبري (٣/١٦) .]] .
ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ جَرِيرٍ يُضَعِّفُ هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ رِوَايَتُهُمَا إِلَّا بِبَيَانِ ضَعْفِهِمَا، وَضَعْفُهُمَا مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، فَإِنَّ كُلًّا مِنَ السَّنَدَيْنِ مُشْتَمِلٌ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ، مَعَ مَا فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضِعْفِهِ [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ والربيع بن أنس أولى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ الذِي قَالَهُ غَيْرُهُمْ كَانَ مَذْهَبًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ وَسَائِرَ الْآيَاتِ التِي هِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ، كَالْبَيَانِ عَنِ الْكَلِمَاتِ التِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ ابْتَلَى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ.
قُلْتُ: وَالذِي قَالَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْكَلِمَاتِ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ، أَقْوَى مِنْ هَذَا الذِي جَوَّزَهُ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَمَنْ قَالَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ يُعْطِي غَيْرَ مَا قَالُوهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ إِمَامًا، سَأَلَ اللَّهَ أَنْ تَكُونَ الأئمةُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، فَأُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ وَأُخْبِرَ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ظَالِمُونَ، وَأَنَّهُ لَا يَنَالُهُمْ عَهْدُ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُونَ أَئِمَّةً فَلَا يُقْتَدَى بِهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أُجِيبَ إِلَى طَلِبَتِهِ قَوْلُ اللَّهِ [[في جـ: "قوله".]] تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٧] فَكُلُّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ وَكُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ فَفِي ذُرِّيَّتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في جـ: "وسلامه عليه وعليهم أجمعين".]] .
وَأَمَّا قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ خَصِيف، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي ذُرِّيَّتِكَ ظَالِمُونَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: لَا يَكُونُ لِي إِمَامٌ ظَالِمٌ [يُقْتَدَى بِهِ] [[زيادة من ط.]] . وَفِي رِوَايَةٍ: لَا [[في جـ: "أن لا".]] أَجْعَلُ إِمَامًا ظَالِمًا يقْتَدَى بِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ، عَنْ [[في أ: "سفيان بن".]] مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: لَا يَكُونُ إِمَامٌ ظَالِمٌ يُقْتَدَى بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قَالَ: أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَالِحًا فَسَأَجْعَلُهُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ ظَالِمًا فَلَا وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ الْمُرَادُ بِهِ الْمُشْرِكُ، لَا يَكُونُ إِمَامٌ ظَالِمٌ. يَقُولُ: لَا يَكُونُ إِمَامٌ مُشْرِكٌ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيج، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فَأَبَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِمَامًا ظَالِمًا. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا عَهْدُهُ؟ قَالَ: أَمْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ ثَوْرٍ الْقَيْسَارِيُّ [[في أ: "النيسابوري".]] فِيمَا كَتَبَ إِلِيَّ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ كَائِنٌ فِي ذُرِّيَّتِهِ ظَالِمٌ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ -وَلَا يَنْبَغِي [لَهُ] [[زيادة من جـ، ط، أ، و.]] أَنْ يُوَلِّيَهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ خَلِيلِهِ -وَمُحْسِنٌ سَتَنْفُذُ فِيهِ دَعْوَتُهُ، وَتَبْلُغُ لَهُ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: يَعْنِي لَا عهدَ لِظَالِمٍ عَلَيْكَ فِي ظُلْمِهِ، أَنْ تُطِيعَهُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: لَيْسَ لِلظَّالِمِينَ عَهْدٌ، وَإِنْ عَاهَدْتَهُ فَانْتَقِضْهُ [[في جـ، ط، أ، و: "فأنقضه".]] .
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَيْسَ لِظَالِمِ عَهْدٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: لَا يَنَالُ عهدُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ [[في ط: "لا ينال عهد الله ظالم في الآخرة".]] الظَّالِمِينَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ نَالَهُ الظَّالِمُ فَأَمِنَ بِهِ، وَأَكَلَ وَعَاشَ.
وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: عَهْدُ اللَّهِ الذِي عَهِدَ إِلَى عِبَادِهِ: دِينُهُ، يَقُولُ: لَا يَنَالُ دِينُهُ الظَّالِمِينَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] ، يَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ ذُرِّيَّتِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْحَقِّ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَعَطَاءٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ.
وَقَالَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ: لَا يَنَالُ طَاعَتِي عَدُوٌّ لِي يَعْصِينِي، وَلَا أَنْحَلُهَا إِلَّا وَلِيًّا لِي يُطِيعُنِي.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّامْغَانِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: "لَا طَاعَةَ إِلَّا في المعروف" [[قال البخاري في صحيحه برقم (٧٢٥٧) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شعبة، عن زيد، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ جيشا وأمر عليهم رجلا، فأوقد نارا وقال: ادخلوها، فأرادوا أن يدخلوها، وقال آخرون: إنما فررنا منها، فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: "لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة". وقال للآخرين: "لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف". فهذا هو أصل هذا الحديث من دون ذكر الآية، والله أعلم.]] .
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يَقُولُ: عَهْدِي نُبُوَّتِي.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ -وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْخَبَرِ -أَنَّهُ لَا يَنَالُ عَهْدُ اللَّهِ بِالْإِمَامَةِ ظَالِمًا. فَفِيهَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ سَيُوجَدُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ مَنْ هُوَ ظَالِمٌ لَنَفْسِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
About this surah
Madani · order 87
Summary
Al-Baqarah (the Cow) has been so named from the story of the Cow occurring in this Surah (67-73). It has not, however, been used as a title to indicate the subject of the Surah. It will, therefore, be as wrong to translate the name Al-Baqarah into "The Cow" or "The Heifer" as to translate any English name, say Mr. Baker, Mr. Rice, Mr. Wolf etc., into their equivalents in other languages or vice versa, because this would imply that the Surah dealt with the subject of "The Cow". Many more Surahs of the Quran have been named in the same way because no comprehensive words exist in Arabic (in spite of its richness) to denote the wide scope of the subject discussed in them. As a matter of fact all human languages suffer from the same limitation.
Quranic Universal Library (QUL) — Surah info (English)
Quranic Universal Library (QUL) — Quranic Arabic Corpus word-by-word (English)